الحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية.. ما أبرز التعديلات؟#
تواصل مصر تطوير منظومتها الضريبية من خلال حزمة جديدة من الإجراءات تستهدف تخفيف الأعباء على مجتمع الأعمال، وتعزيز جاذبية الاستثمار، وتحسين العلاقة بين الإدارة الضريبية والممولين.
وتتضمن الحزمة الثانية تعديلات على قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005، وقانون ضريبة الدمغة رقم 111 لسنة 1980، مع التركيز على عدد من الملفات المرتبطة بالاستثمار في الأوراق المالية، وتبسيط المعالجة الضريبية لبعض المعاملات، وتقليل حالات الازدواج الضريبي.
وبحسب ما أعلنته مصلحة الضرائب المصرية في 3 أغسطس 2026، تشمل الإجراءات إعفاء الأرباح الرأسمالية الناتجة عن التصرف في الأوراق المالية المقيدة بالبورصة من ضريبة الدخل، مع خضوع المعاملات لضريبة الدمغة النسبية وفقًا للقواعد المقررة، فضلًا عن إعفاء نشاط صانع السوق من ضريبة الدمغة.
وتعكس هذه الإجراءات توجهًا نحو استخدام السياسة الضريبية لدعم الاستثمار وتحسين كفاءة سوق المال، وليس فقط تحصيل الإيرادات العامة.
أولًا: إعفاء الأرباح الرأسمالية للأسهم المقيدة بالبورصة#
من أبرز التعديلات المعلنة إعفاء الأرباح الرأسمالية الناتجة عن التصرف في الأوراق المالية المقيدة بالبورصة المصرية من ضريبة الدخل، مع استمرار خضوع المعاملات لضريبة الدمغة النسبية وفقًا للقانون.
وتكمن أهمية هذا التعديل في تغيير المعالجة الضريبية للأرباح الناتجة عن تداول الأوراق المالية المقيدة، بما قد يؤثر على حسابات المستثمرين عند تقييم العائد المتوقع من الاستثمار في الأسهم.
ومن منظور اقتصادي، يمكن أن يسهم تخفيف العبء الضريبي على الأرباح الرأسمالية في تحسين جاذبية الاستثمار في سوق المال، خاصة لدى المستثمرين الذين يضعون الالتزامات الضريبية ضمن عناصر المفاضلة بين الأدوات الاستثمارية المختلفة.
لكن الأثر الفعلي لهذه الخطوة يظل مرتبطًا بعوامل أخرى، من بينها أداء الشركات المدرجة، ومستويات السيولة في السوق، وتوقعات المستثمرين بشأن الاقتصاد، ومدى استقرار القواعد المنظمة للتداول.
ثانيًا: معالجة الازدواج الضريبي في معاملات الأوراق المالية#
يمثل الازدواج الضريبي أحد الملفات المهمة بالنسبة للمستثمرين والشركات، إذ يمكن أن يؤدي خضوع المعاملة الاقتصادية نفسها لأكثر من عبء ضريبي إلى زيادة التكلفة النهائية للاستثمار.
وفي هذا الإطار، أوضحت مصلحة الضرائب أن التعديلات تستهدف معالجة الازدواج الضريبي المرتبط ببعض معاملات الأوراق المالية وتوزيعات الأرباح.
كما أشارت إلى استبعاد التصرفات التي تتم على الأوراق المالية غير المقيدة من الخضوع لضريبة الدمغة، مع الاكتفاء بخضوعها لضريبة الدخل، وفقًا للمعالجة القانونية المقررة.
وتكمن أهمية هذا التوجه في توفير قواعد أوضح للمستثمرين عند تحديد الالتزامات الضريبية المترتبة على المعاملات المختلفة، بما يساعد على تحسين القدرة على حساب التكلفة الحقيقية للاستثمار واتخاذ القرارات المالية على أسس أكثر وضوحًا.
ثالثًا: إعفاء نشاط صانع السوق من ضريبة الدمغة#
شملت الإجراءات المعلنة إعفاء نشاط صانع السوق من ضريبة الدمغة، في ضوء الدور الذي يؤديه هذا النشاط في دعم التداول وتوفير السيولة داخل البورصة.
وصانع السوق هو جهة تعمل وفق القواعد المنظمة للسوق على المساهمة في توفير عروض للشراء والبيع، بما يساعد على تسهيل التداول وتحسين قدرة المستثمرين على تنفيذ معاملاتهم.
ومن الناحية الاقتصادية، قد يسهم تخفيف الأعباء الضريبية المرتبطة بهذا النشاط في تشجيع المشاركة فيه، وهو ما يمكن أن يدعم السيولة وكفاءة التداول في الأوراق المالية المستهدفة.
ومع ذلك، فإن تحقيق هذه النتائج يتطلب توافر عوامل أخرى، مثل كفاءة البنية التنظيمية، وتنوع المستثمرين، ووجود شركات ذات أداء مالي قوي وجاذبية استثمارية.
رابعًا: كيف تستفيد الشركات من التعديلات الضريبية؟#
لا تقتصر أهمية التسهيلات الضريبية على المستثمرين في البورصة، بل تمتد آثارها المحتملة إلى الشركات التي تخطط لجمع التمويل أو دراسة خيارات التوسع.
فقد تصبح إعادة تقييم قرار القيد في البورصة أكثر أهمية بالنسبة لبعض الشركات، خاصة عندما تقارن بين التمويل المصرفي وتمويل التوسع من خلال طرح الأسهم.
ويمكن أن تؤثر المعالجة الضريبية في التكلفة الإجمالية للتمويل، إلا أن قرار القيد لا يعتمد على الضرائب وحدها؛ بل يتطلب دراسة حجم الشركة، ومتطلبات الإفصاح والحوكمة، وتكلفة الالتزام المستمر بالقواعد المنظمة للسوق، ومدى استعداد الإدارة للتعامل مع مساهمين جدد.
ومن هنا، ينبغي للشركات أن تنظر إلى التسهيلات باعتبارها أحد عناصر التخطيط المالي، وليس سببًا منفردًا لاتخاذ قرار استثماري أو تمويلي.
خامسًا: ما الذي يجب على الإدارات المالية والمحاسبية مراجعته؟#
تفرض التعديلات الضريبية على الشركات والمستثمرين أهمية مراجعة الإجراءات المحاسبية والمالية المرتبطة بالمعاملات التي تشملها القواعد الجديدة.
وتشمل أبرز الخطوات العملية:
مراجعة المعالجة الضريبية للأرباح الناتجة عن التصرف في الأوراق المالية المقيدة وغير المقيدة.
التحقق من نطاق الإعفاءات وشروط الاستفادة منها، وفقًا للنصوص القانونية والقرارات التنفيذية ذات الصلة.
مراجعة آلية احتساب ضريبة الدمغة على المعاملات التي تستمر خاضعة لها.
تحديث النماذج المحاسبية والتقديرات المالية بما يتفق مع المعالجة الضريبية السارية.
تقييم أثر التعديلات على قرارات الاستثمار والتمويل، دون افتراض تحقق وفورات ضريبية قبل التأكد من انطباق الشروط القانونية.
وتساعد هذه الخطوات على الحد من أخطاء التطبيق، وتمنح الإدارة المالية رؤية أوضح عند إعداد الموازنات التقديرية وتقييم الفرص الاستثمارية.
هل تكفي التسهيلات الضريبية وحدها لتنشيط الاستثمار؟#
رغم أهمية التعديلات الضريبية، فإن تأثيرها في قرارات الاستثمار يتوقف على مجموعة من العوامل المتكاملة.
فالمستثمر يهتم بمستوى الضرائب، لكنه يهتم أيضًا باستقرار السياسات الاقتصادية، وتوافر التمويل، وتكلفة الاقتراض، ومعدلات التضخم، ووضوح القواعد التنظيمية، وقدرة الشركات على تحقيق نمو مستدام.
وبالتالي، فإن التسهيلات الضريبية قد تمثل عنصرًا داعمًا لتحسين مناخ الاستثمار، لكنها لا تضمن وحدها زيادة التداول أو تدفق استثمارات جديدة.
ويظل تقييم نجاح الحزمة مرتبطًا بمدى انعكاسها على سلوك الشركات والمستثمرين، وحجم الاستثمارات الفعلية، وكفاءة سوق المال، ومدى سهولة تطبيق القواعد الضريبية على أرض الواقع.
الخلاصة#
تمثل الحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية في مصر خطوة مهمة في مسار تطوير المعالجة الضريبية لبعض معاملات الاستثمار، خاصة ما يتعلق بالأوراق المالية المقيدة وغير المقيدة ونشاط صانع السوق.
وتوفر التعديلات فرصًا أمام الشركات والمستثمرين لإعادة تقييم بعض القرارات المالية والاستثمارية، لكن الاستفادة الفعلية منها تتطلب فهمًا دقيقًا للنصوص القانونية وشروط التطبيق، إلى جانب دراسة الأثر المالي لكل معاملة على حدة.
وبالنسبة للشركات، فإن الخطوة الأهم ليست مجرد متابعة التعديلات التشريعية، بل تحويلها إلى مراجعة عملية لخطط التمويل والاستثمار والالتزامات الضريبية، بما يساعد على تحسين كفاءة القرارات المالية وتقليل المخاطر.



